Search This Blog

Saturday, July 29, 2017

العلاقة الروسيّة الأميركيّة وسورية: انقلاب الموازين

العلاقة الروسيّة الأميركيّة وسورية: انقلاب الموازين

يوليو 29, 2017

ناصر قنديل

– في بدايات ومنتصف الحرب الأميركية على سورية كانت معادلة العلاقة الأميركية الروسية حاضرة فيها، بحدود متواضعة تتصل بالسعي الأميركي لتذليل الفيتو الروسي على المشاريع التي تتقدّم بها واشنطن وحلفاؤها ومعها أغلبية عربية لتغطية التدخل العسكري على الطريقة الليبية. وفي مرحلة متقدّمة صارت الضغوط الأميركية لها عنوان السعي للتوصل لتسوية سياسية من دون الرئيس السوري ترتضيها موسكو مقابل حدّ معيّن من المكاسب والضمانات. وفي المرحلتين كانت المشاكل الأميركية الروسية الكبرى خارج سورية، وكان صمود روسيا ودعمها للموقف السوري ضمن السعي الروسي لإحداث توازن يحقق لموسكو وضعاً تفاوضياً على كامل قضايا الخلاف. وشيئاً فشيئاً صارت موسكو تتلمّس حجم الأخطار المترتبة على المشروع الأميركي لسورية، وتأثيره على مستقبل استقرار روسيا، سواء في مرحلة العنوان العثماني الإخواني للحرب أو في مرحلة العنوان الوهّابي لها، وبدأ يتشكّل موقف روسي منفصل لحماية سورية ومنع نجاح المشروع الأميركي فيها، بمعزل عن سائر ملفات الخلاف مع واشنطن، حتى صار الموقف من سورية رأس المواقف الروسية في التصادم مع واشنطن.

– من الزاوية الأميركية بقي الرهان على الضغط على روسيا بتحريك ملفات موجعة من أوكرانيا إلى حروب الأسعار في أسواق النفط والغاز لفرض تنازلات روسية تسهّل تقدّم المشروع الأميركي في سورية، انطلاقاً من تصرّف أميركي مدرك لمكانة سورية في المصالح الأميركية، سواء ما يخصّ حصار إيران وأمن «إسرائيل» أو ما يتصل بمستقبل سوق الطاقة ومواردها وأنابيبها، لكن في سياق المواجهة وتصاعد الحضور الروسي في سورية وتبلور موازين قوى محيطة بالملف النووي مع إيران تمنع تحقيق إنجازات أميركية، انتقل الأميركيون من السعي لتوظيف الملفات الأخرى في العلاقة الأميركية الروسية لتحسين وضعهم في سورية إلى الفصل بين الملفات، والخشية من سعي موسكو المتعاظم لصفقة على المستوى الدولي تضع موسكو واشنطن كندّ للندّ في تقرير الملفات الكبرى على مساحة العالم.

– مثلما انتقل الملف السوري من مصدر ضغط روسي لتعديل الموازين مع أميركا ليصير مصدر قوة روسية في الملفات كلّها، ثم يتقدّم ليصير رأس الملفات، انتقل الملف السوري أميركياً من أمّ الملفات والحروب ليصير منع موسكو من تحقيق الإنجاز هو الهدف ثم يصير السعي لفصل الملفات تفادياً لصفقة شاملة تضع موسكو نداً لواشنطن على مستوى العالم. فتغيّرت معادلة العلاقات الروسية الأميركية وصلتها بالحرب على سورية، وانقلبت توازناتها وتحوّلت سورية من مصدر قوة أميركي إلى عامل ضعف ومن مصدر ضعف روسي إلى عامل قوة، وتحوّلت من سعي أميركي لفصلها عن سائر الملفات إلى السعي لربطها والعودة بالسعي للفصل، بينما سار الروس عكساً من السعي للربط، إلى السعي للفصل مؤقتاً والعودة للسعي للربط في رحلة القوة.

– الآن وتبدو العلاقات الروسية الأميركية في مرحلة ضبابية يسعى الأميركيون، وربما يرتضي الروس لفصل الملف السوري عن سائر الملفات فترتضي واشنطن مكاسب روسية كبيرة في سورية وتفويضاً شبه مفتوح بإدارة التسوية بشروطها بعدما صار البديل الوحيد نصراً روسياً إيرانياً سورياً تشترك فيه المقاومة، وربما لا تمانع روسيا بهذا انطلاقاً من تحويله إلى رصيد تراكمي في صراع تعتبره مفتوحاً مع واشنطن حتى إنتاج توازن شامل يتيح تحقيق المرتجى على المستوى الدولي، وتحويل المثال السوري نموذجاً يُحتذى في التسويات اللاحقة في ملفات كثيرة مفتوحة.


(Visited 822 times, 822 visits today)

مقالات مشابهة




Related Videos

العلاقة الروسيّة الأميركيّة وسورية: انقلاب الموازين

يوليو 29, 2017

ناصر قنديل

– في بدايات ومنتصف الحرب الأميركية على سورية كانت معادلة العلاقة الأميركية الروسية حاضرة فيها، بحدود متواضعة تتصل بالسعي الأميركي لتذليل الفيتو الروسي على المشاريع التي تتقدّم بها واشنطن وحلفاؤها ومعها أغلبية عربية لتغطية التدخل العسكري على الطريقة الليبية. وفي مرحلة متقدّمة صارت الضغوط الأميركية لها عنوان السعي للتوصل لتسوية سياسية من دون الرئيس السوري ترتضيها موسكو مقابل حدّ معيّن من المكاسب والضمانات. وفي المرحلتين كانت المشاكل الأميركية الروسية الكبرى خارج سورية، وكان صمود روسيا ودعمها للموقف السوري ضمن السعي الروسي لإحداث توازن يحقق لموسكو وضعاً تفاوضياً على كامل قضايا الخلاف. وشيئاً فشيئاً صارت موسكو تتلمّس حجم الأخطار المترتبة على المشروع الأميركي لسورية، وتأثيره على مستقبل استقرار روسيا، سواء في مرحلة العنوان العثماني الإخواني للحرب أو في مرحلة العنوان الوهّابي لها، وبدأ يتشكّل موقف روسي منفصل لحماية سورية ومنع نجاح المشروع الأميركي فيها، بمعزل عن سائر ملفات الخلاف مع واشنطن، حتى صار الموقف من سورية رأس المواقف الروسية في التصادم مع واشنطن.

– من الزاوية الأميركية بقي الرهان على الضغط على روسيا بتحريك ملفات موجعة من أوكرانيا إلى حروب الأسعار في أسواق النفط والغاز لفرض تنازلات روسية تسهّل تقدّم المشروع الأميركي في سورية، انطلاقاً من تصرّف أميركي مدرك لمكانة سورية في المصالح الأميركية، سواء ما يخصّ حصار إيران وأمن «إسرائيل» أو ما يتصل بمستقبل سوق الطاقة ومواردها وأنابيبها، لكن في سياق المواجهة وتصاعد الحضور الروسي في سورية وتبلور موازين قوى محيطة بالملف النووي مع إيران تمنع تحقيق إنجازات أميركية، انتقل الأميركيون من السعي لتوظيف الملفات الأخرى في العلاقة الأميركية الروسية لتحسين وضعهم في سورية إلى الفصل بين الملفات، والخشية من سعي موسكو المتعاظم لصفقة على المستوى الدولي تضع موسكو واشنطن كندّ للندّ في تقرير الملفات الكبرى على مساحة العالم.

– مثلما انتقل الملف السوري من مصدر ضغط روسي لتعديل الموازين مع أميركا ليصير مصدر قوة روسية في الملفات كلّها، ثم يتقدّم ليصير رأس الملفات، انتقل الملف السوري أميركياً من أمّ الملفات والحروب ليصير منع موسكو من تحقيق الإنجاز هو الهدف ثم يصير السعي لفصل الملفات تفادياً لصفقة شاملة تضع موسكو نداً لواشنطن على مستوى العالم. فتغيّرت معادلة العلاقات الروسية الأميركية وصلتها بالحرب على سورية، وانقلبت توازناتها وتحوّلت سورية من مصدر قوة أميركي إلى عامل ضعف ومن مصدر ضعف روسي إلى عامل قوة، وتحوّلت من سعي أميركي لفصلها عن سائر الملفات إلى السعي لربطها والعودة بالسعي للفصل، بينما سار الروس عكساً من السعي للربط، إلى السعي للفصل مؤقتاً والعودة للسعي للربط في رحلة القوة.

– الآن وتبدو العلاقات الروسية الأميركية في مرحلة ضبابية يسعى الأميركيون، وربما يرتضي الروس لفصل الملف السوري عن سائر الملفات فترتضي واشنطن مكاسب روسية كبيرة في سورية وتفويضاً شبه مفتوح بإدارة التسوية بشروطها بعدما صار البديل الوحيد نصراً روسياً إيرانياً سورياً تشترك فيه المقاومة، وربما لا تمانع روسيا بهذا انطلاقاً من تحويله إلى رصيد تراكمي في صراع تعتبره مفتوحاً مع واشنطن حتى إنتاج توازن شامل يتيح تحقيق المرتجى على المستوى الدولي، وتحويل المثال السوري نموذجاً يُحتذى في التسويات اللاحقة في ملفات كثيرة مفتوحة.


No comments: